٠٩‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ١٠:٥٧ ص

كيف رسّخ الرد الصاروخي الإيراني على إسرائيل مفهوم "وحدة الجبهات"؟

كيف رسّخ الرد الصاروخي الإيراني على إسرائيل مفهوم "وحدة الجبهات"؟

ينبغي تقييم الرد الصاروخي الإيراني على عدوان الكيان الصهيوني على الضواحي الجنوبية لبيروت بما يتجاوز كونه عملية عسكرية.

وكالة مهر للأنباء، المجموعة الدولية: يمكن اعتبار الهجمات الصاروخية الإيرانية على الأراضي المحتلة ردًا على عدوان الكيان الصهيوني على الضواحي الجنوبية لبيروت أحد أهم التطورات الاستراتيجية في غرب آسيا خلال السنوات الأخيرة. لا تقتصر أهمية هذه العملية على أبعادها العسكرية فحسب، بل تكمن أهميتها في ترسيخ مفهوم طرحته حركة المقاومة في السنوات الأخيرة تحت مسمى "وحدة الجبهات".

وحدة الساحات والجبهات؛ واقع الميدان

حتى الآن، كانت وحدة الساحات تُعرف أكثر كاستراتيجية سياسية ونظرية؛ استراتيجية تُعتبر بموجبها جبهات المقاومة المختلفة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق وإيران جزءًا من نظام واحد، ويرتبط أمن كل طرف منها بأمن الأطراف الأخرى. مع ذلك، أظهرت العملية الأخيرة أن هذا المفهوم لم يعد مجرد شعار سياسي أو إطار نظري، بل أصبح واقعًا عمليًا رادعًا.

كان هجوم الكيان الصهيوني على الضواحي الجنوبية لبيروت، من وجهة نظر تل أبيب، ضمن إطار إجراءٍ دأب الكيان على تطبيقه مرارًا خلال السنوات الماضية؛ ألا وهو استهداف عناصر المقاومة في مختلف البلدان دون مواجهة رد مباشر من باقي أعضاء محور المقاومة. ظنت إسرائيل أنها تستطيع استهداف لبنان دون أن تدفع ثمنًا باهظًا يتجاوز الجبهة اللبنانية. لكن الرد الصاروخي الإيراني قلب هذه الحسابات رأسًا على عقب.

للمرة الأولى، قوبل هجوم على أحد أركان محور المقاومة الرئيسية برد مباشر من أقوى أطراف هذا المحور. هذا التطور العملي يعني أن الحدود الجغرافية في معادلات ردع المقاومة أصبحت أقل وضوحًا، وأن أي عدوان على أحد أعضاء محور المقاومة قد يُقابَل برد فعل من باقي الأعضاء.

رسالة واضحة إلى تل أبيب

في الواقع، وجّهت إيران رسالة واضحة إلى تل أبيب بهذا العمل؛ إن أمن لبنان ليس بمعزل عن أمن إيران، ولا يمكن اعتبار الهجوم على الضواحي الجنوبية لبيروت مجرد شأن داخلي لبناني أو صراع محدود بين إسرائيل وحزب الله. هذا هو جوهر استراتيجية وحدة الجبهات؛ وهي استراتيجية لا يستطيع العدو بموجبها فصل جبهات المقاومة عن بعضها البعض والضغط على كل جبهة على حدة.

إلى جانب إيران، كان رد فعل اليمن ذا أهمية خاصة. فقد أظهر إعلان فرض قيود على حركة السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب أن الرد على عدوان الكيان الصهيوني لا يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة. يمتلك محور المقاومة أدوات ضغط متنوعة، ويمكن لكل طرف من أطراف هذا المحور التدخل وفقًا لموقعه وقدراته.

يُعدّ تحرك أنصار الله في اليمن مهمًا من هذا المنظور، إذ يُظهر أن وحدة الجبهات لا تقتصر على التنسيق السياسي فحسب، بل تشمل أيضًا تقسيمًا عمليًا للعمل. فبينما استخدمت إيران قدراتها الصاروخية، استغل اليمن موقعه الجيوسياسي المميز للضغط على الكيان الصهيوني. يشير هذا إلى نضج متزايد لهيكل محور المقاومة ومستوى متزايد من التنسيق بين مكوناته.

فهم مشترك للتهديدات والمصالح بين أعضاء محور المقاومة

من جهة أخرى، يشير رد الفعل الواسع النطاق لفصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية على العملية الإيرانية إلى تشكّل فهم مشترك للتهديدات والمصالح بين أعضاء محور المقاومة. ويُظهر ترحيب الفصائل الفلسطينية بالعملية الصاروخية الإيرانية، وتأكيدها على أن هذا الهجوم قد عزز "معادلة وحدة الساحات"، أن هذه الاستراتيجية قد انتقلت الآن من مستوى الخطاب إلى مستوى العمل.

ومن أهم نتائج تعزيز وحدة الساحات ارتفاع التكاليف الاستراتيجية للكيان الصهيوني. ففي الماضي، حاولت تل أبيب إدارة جبهات المقاومة بشكل منفصل، حيث كانت الحرب في غزة، والهجمات على لبنان، والضغط على سوريا، والتهديدات الموجهة لإيران، تُدرس كل منها على حدة. لكن الوضع الآن يتغير، فقد أظهر رد إيران أن العمل ضد جبهة ما قد تكون له تداعيات على جبهات أخرى.

ويعني هذا التطور أن إسرائيل لم تعد قادرة على خوض مغامرات عسكرية مع ضمان بقاء نطاق الصراع محدودًا. فأي قرار عسكري في لبنان قد تكون له تداعيات في إيران أو اليمن أو العراق أو فلسطين. سيؤدي هذا إلى زيادة كبيرة في التكاليف الحاسوبية والأمنية لقادة الكيان الصهيوني.

كما أن الأبعاد السياسية لهذا التطور بالغة الأهمية. فخلال الأشهر الماضية، حاولت الولايات المتحدة إدارة الأزمات الإقليمية بشكل منفصل عبر المفاوضات والضغوط الدبلوماسية. إلا أن ترسيخ استراتيجية توحيد الجهود قد يُغير هذه الحسابات أيضاً. فاليوم، بات إنهاء أي أزمة إقليمية مرتبطاً بملفات أخرى أكثر من ذي قبل.

فعلى سبيل المثال، أظهرت العملية الأخيرة لأنصار الله في اليمن أن مسألة رفع القيود عن البحر الأحمر لم تعد مقتصرة على اليمن فحسب، بل أصبحت مرتبطة بوضع محور المقاومة بأكمله. وقد تُضيف هذه المسألة تعقيدات جديدة إلى عملية المفاوضات والجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحروب والأزمات في المنطقة.

ومن منظور الردع، تُعتبر العملية الأخيرة أيضاً نقطة تحول. فأهم سمات الردع الناجح هو إقناع العدو بأن تكلفة أي عمل هجومي ستفوق فوائده. ويمكن تقييم رد إيران الصاروخي في هذا السياق تحديداً. وتواجه تل أبيب الآن واقعاً جديداً. واقعٌ يُشير إلى أن أي هجوم على أي جزء من محور المقاومة قد يُقابَل بردٍّ مباشر أو غير مباشر من أعضاء آخرين في هذا المحور.

لهذا السبب، يعتبر العديد من المحللين العملية الأخيرة بداية مرحلة جديدة في معادلات الأمن في المنطقة، مرحلةٌ يواجه فيها مفهوم "العدوان غير المُكلَّف" تحدياتٍ أكثر من أي وقت مضى. ما طُرِحَ لسنوات كوحدةٍ بين مختلف المجالات، أصبح الآن واقعًا ملموسًا على أرض الواقع، وتحوّل من نظرية سياسية إلى آلية عملية.

الخلاصة

باختصار، يجب تقييم رد إيران الصاروخي على عدوان الكيان الصهيوني على الضواحي الجنوبية لبيروت بما يتجاوز مجرد عملية عسكرية. فقد أظهرت هذه العملية أن محور المقاومة قد دخل مرحلة جديدة من التنسيق والتكامل، مرحلةٌ يرتبط فيها أمن أعضاء هذا المحور ارتباطًا وثيقًا، وأي عدوان على أحدهم قد يُؤدي إلى رد فعل جماعي من الأطراف الأخرى. ولهذا السبب، ربما يكون أهم إنجاز لهذه العملية ليس عدد الصواريخ التي تم إطلاقها، بل بالأحرى ترسيخ معادلة كانت تُعرف لسنوات باسم "وحدة المناطق" وأصبحت الآن حقيقة لا يمكن إنكارها في معادلات المنطقة.

رمز الخبر 1971446

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha